السيد نعمة الله الجزائري
199
الأنوار النعمانية
هو تعلق متوسط بين بين كتعلق الصانع بالآلات التي يحتاج إليها في افعاله المختلفة وكتعلق العاشق بالمعشوق عشقا جبليّا الهاميا فلا ينقطع ما دام لبدن صالحا لان يتعلق به النفس ، ألا ترى انها تحبه ولا تمله مع طول الصحبة وتكره مفارقته ، وذلك لتوقف كمالاتها ولذاتها العقلية والحسية عليه ، فإنها في مبدأ خلقتها خالية عن الصفات الفاضلة كلها فاحتاجت إلى آلات تعينها على تلك الكمالات وتحتاج إلى أن تكون تلك الآلات مختلفة فيكون لها بحسب كل آلة فعل خاص حتى إذا حاولت فعلا خاصا كالابصار مثلا التفت إلى العين فتقوى على الابصار التام ، وكذا الحال في سائر الأفعال ، ولو اتحدت الآلات لاختلطت الافعال ولم يحصل لها شيء منها على الكمال فإذا حصلت لها الاحساسات توصلت منها إلى الادراكات الكلية ونالت حظها من العلوم والاخلاق المرضية ، وترفت إلى لذاتها العقلية بعد احتظائها باللذات الحسية فتعلقها بالبدن على وجه التصرف والتدبير كتعلق العاشق في القوة بل أقوى بكثير . أقول وبناءا على ما قاله الاجل علم الهدى وهو الأولى يكون تعلقها بالبدن من باب تعلق الأحوال بمحالها . واعلم أنه قد ورد في اخبار أهل البيت عليهم السّلام تعدد الأرواح ، رواه جابر عن الباقر عليه السّلام قال خمسة أرواح في المقربين ، روح القدس وبه علموا جميع الأشياء وروح الايمان وبه عبدوا اللّه ، وروح القوة وبه جاهدوا العدو وعالجوا المعاش ، وروح الشهوة وبه أصابوا لذة الطعام والنكاح وروح البدن وبه يدبّون ويدرجون ، وأربعة لأصحاب اليمين لفقد روح القدس منهم ، وثلاثة لأصحاب الشمال لفقد روح الايمان منهم ، وعلى هذا نزّل ما روى عنه عليه السّلام لا يزني الزاني وهو مؤمن وذلك ان روح الايمان تخرج من بدنه إلى أن يفرغ فان عاد إلى التوبة عادت تلك الروح إلى بدنه والا فارقته ، وكذا معنى لا يسرق السارق وهو مؤمن ، وما روى من أن المؤمن لا يكذب كله منزّل على هذا فان روح الايمان تفارقه حال صدور الذنب منه وإذا رجع رجعت كما ورد في الروايات وإذا نام لم تفارقه روح الحياة وان فارقه غيرها ، كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّه تعالى في نور المنام إذا عرفت هذا . فاعلم أن قدماء الحكماء قالوا إن للحيوانات نفوسا ناطقة مجردة ، وهو مذهب الشيخ المقتول ، وقد صرّح الشيخ الرئيس في جواب اسؤلة بهمنبار ان الفرق بين الانسان والحيوانات في هذا الحكم مشكل ، وقال القيصري في شرح فصوص الحكم ما قال المتأخرون من أن المراد بالنطق ادراك الكليات لا التكلم ، مع كونه مخالفا لوضع اللغة لا يقيدهم لأنه موقوف على أن النفس الناطقة المجردة للانسان ولا دليل لهم على ذلك ولا شعور لهم بأن الحيوانات ليس لها ادراك الكليات والجهل بالشيء لا ينافي وجوده ، وامعان النظر فيما يصدر عنها من العجائب يوجب ان